الشيخ المحمودي
49
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
الأمر الثّالث : في ذكر قطعة من كلام الحكماء والعظماء في التفرّد . قال الخليل بن أحمد رحمه اللّه : العزلة توقي العرض ، وتبقي الجلالة ، وتستر الفاقة ، وترفع مؤونة المكافاة في الحقوق اللازمة « 1 » . ومر بعض النساك براهب فقال : يا راهب ! لقد تعجلت وحشة الوحدة ، فقال الراهب : يا فتى ! لو ذقت حلاوة الوحدة لاسترحت إليها من نفسك . وقيل لبعضهم : ما اصبرك على الوحدة . فقال : لست وحدي ، أنا جليس ربّي ؛ إذا شئت ان يناجيني قرأت كتابه ، وإذا شئت ان أناجيه صليت « 2 » . جاء هرم بن حيان إلى أويس فقال له : ما حاجتك . قال : جئت لآنس بك . قال : ما كنت أعرف أحدا يعرف ربّه فيأنس بغيره . وقال بعض العلماء : انّما يستوحش الإنسان من نفسه لخلو ذاته عن الفضيلة ، فيتكثر حينئذ بملاقاة الناس ويطرد الوحشة عن نفسه بهم ، فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ، ويستخرج العلم والحكمة . وكان يقال : الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس . وكان الفضيل جالسا وحده في المسجد ، فجاء إليه أخ له ، فقال : ما جاء بك . قال : المؤانسة . قال : هي واللّه بالمواحشة أشبه ، هل تريد إلّا أن تتزيّن لي وأتزيّن لك ، وتكذب لي واكذب لك ، اما أن تقوم عني واما أن أقوم عنك . وقال بعضهم : ما أحبّ اللّه عبدا إلّا أحبّ ألا يشعر به خلقه . وقال ابن السماك : كتب الينا صاحب لنا : أمّا بعد ! فان الناس كانوا دواء يتداوى به ، فصاروا داء لا دواء لهم ، ففرّ منهم فرارك من الأسد . وكان بعضهم يلازم الدفاتر والمقابر ، فقيل له في ذلك ، قال : لم أر أسلم من
--> ( 1 ) الحكمة الخالدة 153 ، لابن مسكويه رحمه اللّه . ( 2 ) كأن هذا القائل اخذ هذا المعنى من أمير المؤمنين عليه السّلام في وصيته الطويلة إلى الإمام المجتبى عليه السّلام كما في المختار ( 34 ) من كتب النهج .